محمد دياب الإتليدي
204
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فلبستها وخرجت وتركتهم جياعاً لا شيء عندهم ، ودخلت شوارع بغداد سائلاً عن البرامكة ، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زي وزينة ، وعلى الباب خادمان ، وفي الجامع جماعة جلوس ، فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم ، وأنا أقدم رجلاً وأوخر أخرى ، والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي ، وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا وأنا معهم ، فدخلوا دار يحيى بن خالد ، فدخلت معهم ، وإذا بيحيى جالس على دكة له وسط بستان ، فسلمنا ، وهو يعدنا مائة وواحداً ، وبين يديه عشرة من ولده ، وإذا بأمرد نبت العذار في خديه قد أقبل من بعض المقاصير ، وبين يديه مائة خادم متمنطقون ، في وسط كل خادم منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال ، مع كل خادم مجمرة من ذهب ، في كل مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهر ، وقد قرن به مثله من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام ، وجلس إلى جنب يحيى ، ثم قال للقاضي : تكلم وزوج ابنتي عائشة من ابن أخي هذا . فخطب القاضي خطبة النكاح وزوجه وشهد أولئك الجماعة وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر ، فالتقطت ، والله يا أمير المؤمنين ملء كمي ونظرت ، وإذا نحن في المكان ما بين يحيى والمشايخ وولده والغلام مائة واثنا عشر ، وإذا بمائة واثني عشر خادماً قد أقبلوا ومع كل خادم صينية من فضة ، على كل صينية ألف دينار ، فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية ، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم ، ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية ، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي وقمت وجعلت أتلفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب ، فبينما أنا كذلك إلى أن وصلت إلى صحن الدار ، ويحيى يلاحظني ، فقال للخادم : ائتني بهذا الرجل ، فأتيته ، فقال : ما لي أراك تلتفت يميناً وشمالاً ؟ فقصصت عليه قصتي فقال للخادم : ائتني بولدي موسى ، فأتاه به . فقال له : يا بني ! هذا رجل غريب ، فخذه إليك واحفظه بنفسك وبنعمتك . فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار من دوره فأكرمني غاية الإكرام ، وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور ، فلما أصبح دعا بأخيه العباس ، وقال له : الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى ، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين ، فاقبضه إليك ، وأكرمه . ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد ، ثم لم أزل في أيدي القوم يتداولوني مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني أفي الأموات هم أم